الأحد 07 يونيو 2026 الموافق 21 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

أصعب خصم في حياة الإنسان ليس غريبا يترصده، ولا عدوا خارجيا يسعى لإيذائه، بل كائن يتنفس بداخله ويلاحقه أينما ذهب انه عقله. ذلك الذي نظنه وسيلة للفهم قد يتحول إلى سجن مظلم، إلى وحش يقتات على خوفك وضعفك، إلى سيد قاس يحكمك بأوهامك ويقيدك بقيودك أنت.
العقل حين ينقلب خصما لا يكتفي بخداعك، بل يبدع في صناعة واقعٍ مشوه. قد يريك العالم كله عدو، والناس جميعا متآمرين، والطرق مسدودة بلا مخرج. ربما يقنعك أنك لا شيء، مجرد عابر هش لا يملك القدرة على مواجهة الحياة. وربما يصور لك أنك جبل لا يهزم، فيدفعك إلى الغرور الأعمى حتى تسقط من عليائك سقوط مدويا. إنه خصم يعرف مفاتيحك كلها، يعرف اللحظة التي يضغط فيها على ضعفك حتى ينفجر، ويملك القدرة على تحريكك كما يشاء لأنك صدقته.
تصور أن تعيش داخل غرفة بلا نوافذ، كل ما فيها صور صنعها عقلك، صور للخوف والخذلان والعجز، فتظنها العالم الحقيقي. هذا هو الوجه المظلم للعقل  أنه لا يكتفي بأن يهمس، بل يعيد بناء الواقع على هواه. قد يحول خطأ صغيرا إلى نهاية العالم، وقد يحول فكرة عابرة إلى لعنة تلازمك لسنوات. هنا يصبح العقل وحش جائع يتغذى على قلقك، وكلما أطعمته خوف ازداد قوة وسيطرة.
والأدهى أن هذا الخصم لا ينام. يتربص بك في الليل ككابوس، وفي النهار كصوت داخلي لا يرحم. يذكرك بخيباتك الماضية كأنها شريط يعاد بلا توقف، ويزرع فيك شكوك بالمستقبل حتى تكره أن تخطو. هو السجان الذي يغلق الأبواب من الداخل، فلا تحتاج إلى جدران خارجية لتُسجن، لأنك أصبحت أنت السجن والسجين معًا.
لكن، وسط هذا الرعب، هناك دائما شرارة ضوء تستطيع أن تكسر عتمة الوحش.
الوعي هو المفتاح الأول. حين تدرك أن ما يقوله عقلك ليس دائما الحقيقة، بل تفسير قد يكون كاذبا. أن تسأل نفسك  هل هذا واقع أم مجرد صورة صنعها خوفي؟، هذه بداية التحرر.
المساءلة هي السلاح  واجه أفكارك كما تواجه خصما في ساحة قتال. لا تسلم لكل ما يقول، اسأله ما الدليل؟ هل هناك حقيقة تدعم هذا؟
كسر الدائرة بالفعل الوحش الداخلي ينهزم حين تتحرك رغم صراخه. حين تخطو خطوة وأنت ترتجف، تكتشف أن جدران سجنه مجرد دخان يتلاشى.
إعاد توجيهه  درب عقلك أن يكون وسيلة للبناء لا للهدم. غذه بالعلم، بالوعي، بالتأمل، حتى يتعلم أن يخدمك بدل أن يستعبدك.
العقل وحش حين تتركه بلا قيود، لكنه أيضا يمكن أن يكون أعظم حليف إذا روضته. أنت لا تحتاج إلى الهروب منه، بل إلى مواجهته والسيطرة عليه. والنجاة تبدأ حين تفهم أن أشرس خصم في حياتك يسكن داخلك، لكنه ليس أقوى منك، بل ينتظر أن تعلن التمرد عليه.
عندها فقط، يتحول الظلام إلى نور، والوحش إلى أداة، والسجن إلى فضاء مفتوح. وعندها فقط تصبح سيد نفسك، لا عبدا لعقلك




تم نسخ الرابط