من منّا لا يتذكر زمن الجائحة الكبرى منذ عدة سنوات حينما أثار الوباء الذعر في أرجاء العالم. وقتها وجدنا أنفسنا أمام حالة من الشلل شبه التام في غالبية مناحي حياتنا. أمام تلك الصدمةالتي هزت القلوب وعجزت العقول عن تصديقها بدأنا نُعيد التفكير في سلوكياتنا وطريقة حياتنا كبشر. اكتشفنا نحن البشر أن الحياة قصيرة بالفعل وأننا نضيع أوقاتًا ثمينة بلا فائدة. بالإضافة إلى ذلك تأكدنا بالفعل أننا كنا نُهمش العلم والتفكير المنطقي، ونمارس العديد من العادات الخاطئة يوميًا ليست الصحية فحسب بل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.
لا زلت أذكر كيف أن الجائحة قد أصابت عقولنا بصحوة من التعقل والتفكير المنطقي وإعادة تقدير الأشياء في حياتنا حتى لو كانت بسيطة، وأن نعم الله تحيطنا من كل جانب دون أن ندرك ذلك. اكتشفنا أننا نتفس هواءً طبيعيًا دون أن نشعر، في الوقت الذي كانت فيه دول العالم يُصارع بعضها بعضًا لتوفير أجهزة التنفس الاصطناعي لشعوبها. انتبهنا لقسوة المرض وتعلمنا تقدير قيمة الأسرة ووجودها، وأن الصحة غالية. لقد تبين لنا أنه لا فرق بين الأمراض وبعضها، فالشعور بالألم مهما تباينت شدته فهو يمزق النفس تمزيقًا.
في تلك الأثناء وتحت وطأة الصدمات عاهدنا أنفسنا على التغيير واقتنعنا بأنه ينبغي لنا أن نعيد النظر في طريقتنا في التعاطي مع الحياة. وعدنا أنفسنا أنه بمجرد زوال المحنة سنبدأ صفحة جديدة عنوانها الامتنان والتقدير. وعندما بدأت الحياة تعود لطبيعتها شيئا فشيئا كانت روح التغيير لا تزال فينا ولم تخمُد، وظللنا لفترة تحت تأثير حماسة البدايات. لكن بمرور الوقت راحت الحياة بزحامها تسلُب عقولنا وتتمكن من قلوبنا مرة أخرى.يبدو أن طبيعتنا البشرية قوية لدرجة لا نتصورها حيث نسينا ماكان بالأمس من شدائد ومِحن وكأنها لم تحدُث مُطلقًا. عُدنا لنشتكي من رتابة الحياة وتكرار الأحداث وتشابُه الأيام، والملل والضجر من مساعدة كل من يطلب العون، بعد أن كنا بالأمس القريب نشتاق لكل تلك الأمور ونتمنى أن يعود الروتين لنعتذر له بعد أن جربنا الحبس في منازلنا.
ها هي المآسي تتكرر أمام أعيننا لكن هذه المرة في شكل آخر جديد. ننظر حولنا فنجد كم كبير وقاسٍ من الحروب الدامية والنزاعات المستعرة التي لا تتوقف أو حتى تهدأ قليلًا. نشاهد الآن من خلال الشاشات كيف تُهدم البيوت ويُقتل البشر صباحًا ومساءً تحت القصف الوحشي. في لحظات يتحول الناس إلى لاجئين أو نازحين ينتظرون الطعام أن يأتيهم برًا أو بحرًا أو جوًا. ها نحن الآن نكتشف من جديد نعمة كبيرة في حياتنا وهي الشعور بالأمان والطمأنينة. إنها نِعم غالية وقيم عظيمة لا يدرك قيمتها إلا من فقدها. لقد أيقنت أننا نحن البشر إذا اعتدنا شيئًا وألِفناه تعاملنا معه على أنه أمر مسلم به لا يمكن أن يزول، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي.
ما أكثر دروس الحياة! ولكن ما أسرعنا في النسيان!
نعم.. حتى وإن تشابهت الأيام، فالحمد لله أننا بخير.
وإن غرقنا في ضغوط حياتنا اليومية، فالحمد لله أننا نشعر بالأمان.
وإن فقدنا الكثير من الأشياء، فالحمد لله على ما تبقى.