عماد السعدني يَكتُب: الحدُود في العلاقات بين الناس هي المسافة لحماية القلوب
عماد السعدني يَكتُب: الحدُود في العلاقات بين الناس هي المسافة لحماية القلوب .

أصبحنا في عالم غير أدمي حيث تتشابك فيه العلاقات كما تتشابك الطُرق في مدينة مُزدحمة ؛ وتبقى “الحدُود” هي الإشارات المرورية التي تمنع التصادم والتخاذل بين الناس ، فليست الحدُود جدرانًا تُبنى لعزل الآخرين ؛ بل خطوطًا واضحة تُرسم لحماية النفس وصُون الكرامة وضبط الإيقاع بين القُرب وإحترام الذات .
فالكثير يخلطون بين المسافات والإقتحام ؛ بين الصراحة والتجريح ؛ بين الإهتمام بالأخرين في أمور لا تهم طرف عن الأخر فهي ليست جدعنة ولا مروءة ؛ ومن هُنا تبدأ الفوضى والإستباحة والجرأة ؛ فالعلاقة الصحية لا تُقاس بكمّ الوقت الذي نقضيه معًا ؛ ولا بعدد الأسرار التي نعرفها عن بعضنا ؛ بل بمدى إحترام كل طرف لمساحة الآخر النفسية والعاطفية والإجتماعية.
لماذا نحتاج إلى حدود؟
الحدُود ليست رفاهية نفسية ؛ بل ضرورة إنسانية
هي التي تمنع الإستنزاف والإستغلال ، وتحول دون التلاعب ، وتضع حدًا للتجاوزات التي قد تبدأ بكلمة وتنتهي بجرح عميق ؛ فعندما يغيب مفهوم الحدود ؛ تتحول العلاقات إلى ساحة شدّ وجذب ومهارات ؛ شخص يفرض ؛ وآخر يتنازل ؛
شخص يُسيطر ؛ وآخر يصمت ؛ وشخص يُعطي بلا حساب حتى يجد نفسه فارغًا !
أما في العلاقات المتوازنة ؛ فُهناك وعي واضح بأن لكل إنسان خصوصيته ؛ وأولوياته ؛ وطاقته المحدودة ؛ لا أحد يملك حق إقتحام حياة الآخر تحت أي مُسمى أو حتى القرابة ؛ الحدُود لا تُعني القسوة ؛ فالبعض يظن أن وضع حدود يعني التعالي بل هي المسافة الآمنة ، بينما الحقيقة أنها تُعني النضج.
فهناك أمور كثيرة تستوجب الرفض التام ، أن تقول “لا” حين لا يُناسبك الأمر ؛ وأن تجبر الجميع على إحترامك ؛ وأن تُعبر عن إنزعاجك من أي شيء يهدر قيمتك ؛ فهذه ليست أنانية ؛ بل مسؤولية تجاه نفسك ؛ الشخص الذي لا يضع حدودًا واضحة ، غالبًا ما يتحول إلى ضحية في نهاية الأمر ، يتنازل بدافع الطيبة ، ويصمت بدافع الخجل .
أنواع الحدود في العلاقات ؛ حدود عاطفية: تحمي مشاعرك من الإستغلال أو التقليل ؛
حدود لفظية: تمنع الإهانة والسخرية والتجاوز في الحديث ؛
حدود زمنية: تحترم وقتك وحقك في الراحة والخصوصية ؛
حدود إجتماعية: تُحدد ما تشاركه من تفاصيل حياتك وما تحتفظ به لنفسك ؛
وكلما كانت هذه الحدود واضحة منذ البداية ؛ كانت العلاقة أكثر إستقرارًا وأقل عرضة للتوتر ؛
فالإحترام هو كلمة السر .
الحدُود لا تُفرض بالقوة ؛ بل تُبنى بالوضوح ؛
والعلاقات القوية لا تنهار بسبب وجود حدود ؛ بل تنهار بسبب غيابها ؛ فحين يحترم كل طرف مساحة الآخر ، تتسع العلاقة بدل أن تضيق ؛
وحين يعرف كل إنسان قيمته ، يقلّ قبوله بما يؤذيه !.
في النهاية ، ليست قوة العلاقة في شدة التعلق ؛ بل في جودة التفاهم ؛ وليست المسافة خطرًا دائمًا تكون الطريق لحفظ الكرامة ؛ في زمنٍ أصبح فيه التدخل فضولًا مشروعًا ، والتجاوز يُبرر بحسن النية ، تبقى الحدود علامة وعي لا علامة جفاء ؛ إن العلاقات التي تُبنى على الإحترام لا تحتاج إلى صراخٍ لإثبات مكانتها ، ولا إلى تنازلاتٍ تُذيب أحد الأطراف في الآخر ؛ فالحُب الحقيقي لا يخنق طرف من الآخر ؛ والصداقة الصادقة لا تُقتحم ؛ والقُرب الناضج لا يلغي المسافات الآمنة ؛ وحين يتعلم الناس أن يحترموا حدود بعضهم ، سيكتشفون أن أجمل العلاقات هي تلك التي نحافظ فيها على أنفسنا من آذى الآخرين ؛ وللحديث بقية .